محمد أبو زهرة
3400
زهرة التفاسير
التعليل لما قبلها ، ولذا كان بينهما فصل ، فكمال الاتصال بالعلة إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وأكد سبحانه كفرهم بأن ، وأنهم يحملون أوصافا تقتضى تحقق الكفر باللّه وبرسوله ، إذ يحاولون أن يخدعوا اللّه ورسوله ، وقد استمروا على ذلك حتى ماتوا ولذا قال تعالى : وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ أي ماتوا على حال الفسق والتمرد على الحقائق ، وأشد من التعبير بالفسق في حالهم بأنه أشد الكفر ؛ لأنهم كافرون ، ومخادعون ، وغشاشون ، فهم تمردوا على اللّه وتمردوا على كل خلق كريم ، واللّه أعلم بهم . وهم لا يفاخرون إلا بما آتاهم اللّه من مال وولد ، ولا يستطيعون المفاخرة بمكارم ، ولذا قال تعالى : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 85 ) . تقدمت هذه الآية في هذه السورة عند الكلام على ما يتمناه المنافقون للمؤمنين ، ومنع النبي صلى اللّه عليه وسلم من أن يقبل منهم نفقاتهم ، فقد قال تعالى في ذلك : وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ ( 54 ) . ونرى الآيتين متلاقيتين في المعنى والألفاظ ، إلا في حرفين : أولهما - أنه هنا عبر ( بالواو ) فقال تعالى : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ وفي الآية السابقة عبر ( بالفاء ) ولها مناسبتها ، والثاني - أنه في هذه الآية لم تذكر ( لا ) بعد أَمْوالُهُمْ ، وفي الآية السابقة ذكرت لا وأيضا فالنص السابق « إنما يريد اللّه أن يعذبهم في الحياة الدنيا » وفي هذه الآية : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا . وإن هذا الاختلاف في الألفاظ هو تصريف القول الذي هو من أسباب الإعجاز البياني ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ . . . ( 105 ) [ الأنعام ] . فهل يعد هذا من التكرار ؟ نقول إنه يكون من التكرار إذا كانت المناسبة التي ذكرت فيها الآيتان واحدة ، أما إذا اختلفت المناسبة ، فإنها تغير المقصود ، وإذا تغير المقصود لا يكون المعنى واحدا من كل الوجوه .